الثلاثاء، 7 أغسطس، 2012

الديناصور ..

جلس يشرب سيجاره الفاخر امام نافذه مكتبه الواسعه و حلقات التبغ تتصاعد تدريجيا ..
هكذا حياته .. حلقات وراء حلقات من الضباب .. 

ناظراً الي الشارع الرئيسي االمكتظ بالسيارات و التي تحاول جاهدة ان تعبر امام سيارته الفارهه المتعدية المترين ..  متلذذ بنظرات المارة بالحسد و الغبطة و الإنبهار ..
اتكأ علي مقعدة الوثير و أسند رأسه للوراء مغمضاً عينيه في إستمتاع ..
فهو يمتلك الزر ..

زر التحكم في الجميع..
إستطاع ان يكون امبراطور في مجاله.. ملكا متوج بعد وقت قياسي منذ بدا تجارته ..
يعلم ان مصدر قدرته دوما هي سرعه إتخاذه للقرارات .. و تخطي كل العقبات ايا كانت ..
و أن هدفه تحقيق أقصي ربح .. مهما كان الثمن.. فـ(الشغل شغل) كما يقول العامة ..
و تذكر كل إنتصاراته علي منافسيه .. و علي من حاول الإقتراب ليهز عرش المجد الذي توج عليه
و كم فرح للفظ الديناصور الذي اطلقه عليه عامة البشر والصحافة .. و لكنه كان علي يقين ان الديناصور كائن منقرض .. اما هو فهو اسطورة حيه ..
جمع كل الخيوط التي تخص صناعته .. و أصبح رجلاً سياسيا مرموقاً .. و اصبح يمتلك بدل الشركة الواحده .. شركات بفروعها
و اصبح شريكا لشركات متعددة الجنسيات .. غير العشرات من التوكيلات التي حصل عليها .. إما بسطوته او بنفوذه الإقتصادي او السياسي في الآونه الأخيرة ..
تلذذ عندما تذكر آخر موقف مر به و هو يري الجميع و هو يهتف بإسمه ليترشح في مجلس الشعب ..
و رغم أن الأضواء ستكثر علي وجوده ف مثل ذلك المنصب الحساس .. إلا انه .. الديناصور
و لا يوجد اضخم منه و لا اكبر منه في اي مجال يدخله .. فهو المقتحم بإستمرار ..

إزدات ابتسامته إتساعاً ..  و رغب في ان يلتقط نفساً آخر من سيجاره .. 

و لكن يداه لم تستجب  ..!!

لم تتحرك يداه ..حاول مرة و الأخري .. بلا جدوي ..
يشعر بكل ما حوله .. عيناه مغمضة نعم .. و يشعر بدفء الدخان المتصاعد .. و يكاد يجزم انه يشتم رائحته
لكن لا خليه في جسده يستطيع تحريكها ..
حاول ان يفتح عيناه .. حاول ان يقوم من مكانه .. بذل مجهودا خرافيا .. و لم يتحرك قيد انملة ..
لا يعرف السبب .. هل يحلم ؟ هل غاب عن الوعي ؟
و لكن لا .. كل شئ يبدو حقيقي .. كل ما حوله يبدو حقيقي .. 

مهلاً مهلاً .. انه يري ..
يري دون ان تنفتح عيناه .. إنه يري نفسه ..!!

 يري السيجار .. يري المقعد المنحني و رأسه تستند اليه ...
لأول مرة يري نفسه و هو مغمض العينان .. و علامات التلذذ علي جبينه
و لكن كيف .. كيف يحدث ذلك .. كيف يشعر بجسده .. و كيف يري نفسه من بعيد كمشاهدي احد الأفلام السينمائية
ظل يتنقل يمينا و يسارا .. أمسك بجسده بلا أمل .. حاول الرجوع إلي جسده مره أخري .. و لكنه لم يفلح .
هل هو الموت ؟ و كيف و لم يشتكي يوماً من اي مرض خطير طيله عمره ..
كيف يموت هكذا دون سابق إنذار .. و إن كان هو  الموت ..فلما يظل محبوس الغرفة ؟
دخلت عليه سكرتيرته الحسناء  .. التي ارغمها في ان تكون زوجه من زوجاته الاتي تزوجهن عرفيا ..
و لا يدري لما إندهشت و هي تنظر إليه .. و إقتربت منه و تلمست حرارته و رفعت يداه
و كان يعرف النتيجة .. إن يداه ستسقط دون ادني حركة غريزية تدل علي أنه علي قيد الحياة
شعر بالخوف الحقيقي لأول مرة في حياته (إن جاز التعبير) .. عندما رآها تتأكد مراراً و تكراراً ان جسده فارق الحياة
إعترض طريقها .. حاول ان يكلمها .. صرخ في وجهها .. هي لا تراه .. مازالت مصدومة .. حتي  نزلت دموعه العاصية بلا توقف .. صرخ و صرخ .. جريت مبتعده و تصرخ (الديناصور مات) ..
صرخ هو الآخر - (انا مموتش ..) - (مموتش ..)  و ظل يصرخ و موظفينه يقتحمون الغرفة .. مر عليهم واحداً و الآخر
و هويردد في هستريا .. - (انا مموتش)  شعر بالغضب .. ثم بالحزن  و الألم .. ثم شعر أنه عاجز تلك المرة ..
لأول مرة يشعر بالعجز كما شعر بالخوف.. و هو يتوسل للجميع و يقترب من انعلتهم و يصرخ .. أغيثوني .. لم أمت
و ينظر اليهم و و هو موقن ان بداخل كل واحد منهم نظرة إرتياح .. أخيرا فقد إنزارح الديناصور عن الحياة

ظل يصرخ ..- (يا اندال)  .. و في صرخاته تذكر كيف كان يعاملهم علي إنهم عبيد
كيف كان يقسم بينهم الأرزاق كما كان يقول و لا يعرف ان الرزق بيد الله
و هنا إنهار .. إنهار بالدموع التي لا يراها أحد .. إنهار و علي جثته إبتسامة تلذذ غبيه
لقد وثق في الدنيا أكثر مما كان يجب ..
مر حول الجميع و شعر بمعني الذل و السؤال .. مر كالطيف .. يستنكر وجوده هكذا .. و هنا رعبته فكرة ..

فكرة الحساب ..
الحساب !! أي حساب ؟ و هنا صرخ .. و حاول ان يقفز .. ان يطير .. ان يموت مجدداً  !! ان يفتعل أي شئ .. إلا الحساب
لديه ما يكفي ليقتصوا منه  .. كل هؤلاء سيشهدون ضدي
لقد ظلم الجميع ..
و هنا إستسلم للفكرة و إستسلم إنه بلا حيلة .. و ظل يرمق الجميع و هم يتهامسون ان الله يحبهم
فقد خلصهم من إمبراطوريته .. قد خلصهم منه
و هنا إقشعر بدنه كله و هو يصرخ و يصرخ و يغمي عليه تارة و يفوق
و الرعب ملأ كل كيانه
و هنا عرف النهاية .. و علم جيداً  أن حسابه عسير و انه قد اخطأ كثيراً
و عرف من ظلم في النهاية .. إنها نفسه ..
ظل يرمق جسده و هو مغطي بالملاءة البيضاء ..ظل ساكناً منتظرا المجهول
و فجأة ..شعر بلسعه نيران .. إعتقد انه دخل النار دون حساب ..

و لكنها كانت  لسعه سيجاره فأنتفض من مكانه و هو لا يكاد يصدق ان  كل ما مر به كان هاجس من الهواجس .. و إنه حي .. لازلت حياً .. لازلت حياً
و هنا تأمل من خلال نافذته المارة و هم يتأملون سيارته الفريدة من نوعها و من يشاورون علي مكتبه علي أن هناك

يرقد الديناصور و إمبراطوريته .. و هنا تذكر .. ان الموت قد يأتي .. بلا كبير .. بلا ديناصور .. بلا ..
هنا رن جرس الهاتف فرفع سماعته سامعاً صوت مدير مكتبه يقول :
- مبروك يا ديناصور بيه .. نجحت في الإنتخابات الف مبروك يا باشا الف مبروك .. الفـ.

أغلق سماعة التليفون متأملاً حاله
و نظر الي نفسه في المرآه و هو يسترجع ما مر به من قليل .. رافعا سماعه الهاتف الخاص قائلاً :
- جهز يا سيد العربية الحمراء بتاعتي ..
و قرر حينها .. ان اليوم هو يوم تاريخي بالنسبة له ..
فقد مربلحظة لن ينساها ابدا ..

فاليوم أصبح عضو مجلس شعب بالإضافة إلي إنجازاته السابقة ..!!!